ابن أبي مخرمة

29

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وإن خدعك وقال : أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهبا وفضة . . فلا تقبل ذلك منه ، ولا ترفع العقوبة عنه . فتسلمه الشرطي ليلا ، وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة تسع وثلاث مائة ، فأخرجه إلى عند باب الطاق ، وهو يتبختر في قيوده ، واجتمع من العامة خلق لا يحصى عددهم ، وضربه الجلاد ألف سوط ولم يتأوه ، بل قال للشرطي لما بلغ الست مائة : ادع بي إلى عندك ؛ فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية ، فقال له : قد قيل لي عنك : بأنك تقول هذا وأكثر منه ، وليس لي إلى رفع الضرب عنك سبيل ، ولما فرغ من ضربه . . قطع أطرافه الأربعة ، ثم حز رأسه ، ثم أحرقت جثته ، ولما صار رمادا . . ألقاه في دجلة ، ونصب الرأس ببغداد على الجسر . واتفق أن دجلة زاد تلك السنة زيادة وافرة ، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها ، وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل ، ولكن ألقي شبهه على عدو من أعداء اللّه . وقيل : إن أصحابه جعلوا يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما . وبالجملة : فالناس مختلفون في أمره : منهم من يبالغ في تكفيره ويجعله صاحب مخاريق ، ومنهم من يبالغ في تعظيمه ويجعله صاحب مقامات وكرامات ، ومنهم من يتوقف فيه . قال الشيخ اليافعي : ( والمحققون اعتذروا عنه ، وأجابوا عما صدر منه بتأويلات ، منهم شيخ العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني ، والشيخ شهاب الدين السهروردي ، والإمام حجة الإسلام الغزالي ، وقبلهم الشيخ أبو العباس بن عطاء ، والشيخ أبو القاسم النصرآباذي ، والشيخ أبو عبد اللّه بن خفيف ، قال : وأفتى أكثر علماء عصره بإباحة دمه . وكان الجنيد إذا سئل عنه . . يقول : هذا رجل خفي عليّ حاله ، وما أقول فيه شيئا . وما قيل : إن الجنيد وابن داود الظاهري ممن أفتى بقتله لا يصح ؛ لأن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين قبل الحلاج بإحدى عشرة سنة ، ومحمد بن داود توفي قبل قضية الحلاج باثنتي عشرة سنة ) ا ه « 1 » ويمكن أنهما أفتيا بإباحة دمه قبل قتله عندما ظهر منه ما ظهر ، فقد قدمنا أنه لزم وحبس في سنة إحدى وثلاث مائة ، واللّه سبحانه أعلم .

--> ( 1 ) « مرآة الجنان » ( 2 / 253 ، 259 ) .